.. عن حرية التعبير والمقدسات الدينية
في البدء:
لا أخفي أن اهتمامي بهذا الموضوع كان في جزءٍ كبير منه شخصياً. فقضية حمزة كاشغري كانت قضية صديق قبل أن تكون قضية كاتب على تويتر. ولم يكُن سهلاً علي أن أتجاوز تأثيرها عليّ في رؤيتي لموضوع في صميم قضيته مثل: علاقة حرية التعبير بالمقدسات الدينية، استدعى مني هذا، أقصد حقيقة أنه مؤثر عليّ شخصيا، أن أجري مناقشات مع الكثير، وأقضي الكثير من الساعات على اليوتيوب أستمع لتعليقات قضايا مشابهة وغير مشابهة، وأقرأ كتابات لتوجهات لا تقف من الموضوع في نفس المكان الذي أقف فيه منه. كل هذا لأتأكد وأُثبِت -لنفسي قبل أن يكون لغيري- أن نظرتي وتحليلي لردود الفعل الصادرة في القضايا التي تُوصف بأنها ازدراء للأديان، هي نظرة لأسباب موضوعية أكثر من أن تكون أسبابا ذاتية محضة، وأن أكون في تحليلي لها قد تجاوزت ردة الفعل النفسية التي قد تزيّف معرفتي ورؤيتي، ولهذا السبب أعرض هذا كله الآن، أي لأتأكد أن جانب الهم الشخصي الذاتي لم يطغى على رؤيتي للموضوع.
هل يُمكِن تناول القضايا التي تمس الأديان بموضوعية وحياديّة؟ فمثلاً، يعزو ميرسيا إلياد، صاحب الكتب المعروفة في الأسطورة والأديان المقارنة، سبب نجاح الكتاب المشهور (فكرة المقدس) لرودولف أوتو، بالإضافة لخبرة أوتو في اللاهوت والأديان إلى (كونه كان موهوباً بصفاءٍ نفسي كبير). ما هذا “الصفاء النفسي” ؟ أظنه يتطلّب الكثير من الجُهد، فهو أولاً يُلزِم الباحث بالوقوف في مساحة أبعد من التي يقف فيها جميع من حوله، وأن يدرس بحياد كل المؤثرات الدينية التي ربما تكون هي أيضاً مشكّل لاواعي أساسي لمعرفته وأفكاره، وأن يختبر نفسه في كل مرة: هل أنا متحيّز في هذا الرأي أم لا.
كيف يمكن أن نتجاوز كل التوترات التي تصيبنا عند فتح ملف: “الإساءة للمقدسات”؟ هذه الحساسية من كلمة “حرية التعبير”؟ كيف يمكن أن نفرّق بين مساحة الذات ومساحة الموضوع في قضية في صميم الوجدان الجمعي الديني؟ وهل يكفي، في قضية سلمان رشدي مثلاً، ذلك الاستنكار العارم من كل الجهات والمشايخ والمنابر والمجتمعات الإسلامية، وذلك الحكُم العابر للقارات الذي صدّره الخميني: سلمان رشدي أساء للإسلام، ويجب أن يُقتل هو وكل من نشر الرواية، وحق للمسلمين الغضبة التي غضبوها.. هل يمكن تناول آراءً مثل هذهِ بالنقد والتحليل والمراجعة؟ الواقع أن مجرّد إثارة “سؤال الموضوعية” في قضايا كهذه كفيل بأن يصنّفك لدى الكثير بأنك لا تملك “غيرةً أو حمية دينية” و”مشكوكٌ في دينك وانتمائك الديني” ويحوّلك للشخص المطالب بالإفصاح عن مواقفه الدينية بالتفصيل. يشبّه علي حرب التناول الجاد لهذه المواضيع بـ(السير في حقل ألغام) من شدة حساسيتها. والواقع، أن حساسيتها هذه بالذات هي أكثر ما يستدعي النظر والتأمل فيها أكثر. الكشف عن ما وراء هذا الخطاب، وأقصد بالخطاب المقولات والأفكار التي يتضمنها وتُدلى فيه، مسبباته ونتائجه، وكل ما يجري في “البنية الثقافية اللاشعورية” له -باستعارة مصطلحات الجابري-، هذا هو الجدير بإعادة التفكير فيه ومراجعته ونقده.
وربما يُقال لي أنه لا يصح أن نتناول بالنقد الخطاب “المبني على ردة فعل عاطفية لحظة غضب لله ولا رسوله” فبالطبع ستكون مبررة عبارات المشايخ أو المثقفين التي تُطرَح في وقت مُشتعلة فيه أفئدة الناس وعاطفتهم بحيث أنها تُجبِر المثقف -الذي هو فرد في المجتمع وبلا شك سيتأثر بـ(روح الجماعة/ روح الجمهور) كما يسميها غوستاف لوبون- على أن يُساير موجة الغضب التي تُحيط به. وأؤكد لصاحب هذا الرأي أنني متفق معه تماماً في أن خطاباتٍ كهذه هي مبنية على غضب وعاطفة، وأنها غير جادة، لكنّي لا أتفق معه في أنها لا تعني شيء وينبغي أن تُهمَل، بل أقول إنها تعني الكثير الكثير، فـ”الحقيقة تظهر في زلات اللسان” كما يقول فرويد، وفي أوقات كهذه يُطِل اللاوعي برأسه ويظهر كثيراً مما كان مخبئاً، “المخبّأ” تلك الرغبات والأفكار المدفونة التي يكبحها العقل وميزان المنطق المتحكّم. المخبّأ ليس شبحاً خارج ذواتنا يتلبّسنا في أوقات الغضب واستثارة الوجدان الفردي أو الجمعي ثم يغادرنا، بل هو موجود فينا ومؤثّر، ومتى ما ظهر –سواءً في غضب أو زلة لسان أو أحلام ومنامات- يستحق أن نقبض عليه ونتاوله بالدراسة لنفهم أنفسنا أكثر قبل أي سبب آخر.
هذه الألفاظ.. حرية التعبير:
اللغة فيما هي كلمات وألفاظ نتواصل بها مرتبطة بالمعاني على نحو يجعل المعنى يضيق ويتسع أحياناً أقل أو أكثر من حدود اللفظ المنطوق. كل هذا مرتبط بالاستعمال والتداول. فدلالة اللفظ في مجتمع تختلف عن دلالتها في مجتمع آخر. الاشتغال على العودة إلى التفسيرات الأصلية للألفاظ وتاريخها ومقارنتها بمفاهيمها الحالية أصعب من أن أحيط به هنا. ورغم أن البحث الجاد دائماً ما يبدأ بتحديد وتقنين المصطلحات المستعملة فيه، إلا أني سأكتفي بهذا المعنى العام المتبادر إلى الذهن من كلمات مثل: حرية التعبير، المقدسات الدينية.
بخصوص (حرية التعبير) سأفترض في أغلب ما أناقشه أن الفهم الحديث المتداول لحرية التعبير مقبول ومسلّم به، الفهم المبني على التأصيل الفلسفي الليبرالي المستمد من أطروحات جون ستيوارت ميل صاحب المقولة المشهورة: (إذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة). والفهم الذي جاء وصفه في وثيقة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصدّق من الأمم المتحدة في 1966 المادة 19: (لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة. ولكل إنسان الحق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها).
.. والمقدسات الدينية:
أما (المقدسات الدينية) فحتى رجال الدين نفسهم يحتارون حينما يريدون أن يحدّدوا ويضبطوا المقدسات التي يطالبون بأن لا تُمَس ويُتعدّى عليها. وإذا كان الفيروزآبادي يعرّف لغوياً القداسة بـ(الطهر والبركة)، فيمكن القول أن (المقدّس) هو في جوهر الدين نفسه. وعند دوركهايم فالدين عبارة عن نظام متضامن من المعتقدات والممارسات المتعلقة بالمقدسات. يشمل لفظ (المقدس) في الدين الإسلامي مثلاً، وعلى مستويات مختلفة: الله، المُطلق المتعالي على البشرية، الملائكة والأنبياء، الأمكنة المباركة، النصوص الدينية والوحي السماوي، الشعائر، وربما في بعض المجتمعات: الأولياء والمشايخ. كل هذا هو (مقدّس) يجب احترامه وتحرم مساءلته ومناقشته والخوض فيه يعرّض لـ”عقوبة إلهية دنيوية كانت أو أخروية”. فجوهر المقدّس أنه سماويٌّ مُتعالي على الإنسان.
(حرية التعبير) حين تمسّ (المقدسات الدينية):
يأخذ (التعبير) أشكالاً عدة: اللغة والكتابة، اللوحة التصويرية والرسم، المشهد المرئي المتحرك. ويأخذ (المقدس) شكلَ الهيبة والاحترام والتوقير والتنزيه. حين يخترق هذا (التعبير) حواجز الهيبة هذه لهذا (لمقدس) ويتكلم عنه بما لا يألفه المقدّسين له، من هنا تُجترَح المشكلة وتأتي الاحتجاجات وتأتي الردود والتبريرات على هذه الاحتجاجات، وتثار أسئلة من نوع: هل هي حرية تعبير ؟
في 26 سبتمبر 1988 نشرت الطبعة الأولى من رواية: (آيات شيطانية) لسلمان رشدي، الأديب البريطاني من أصل هندي، حصلت بعض الاحتجاجات لكنها لا تقارن بما حصل بعد يوم 14 فبراير 1989 اليوم الذي أصدر فيه الخميني فتوى تنطق بحكم إلهي ينص على وجوب قتل سلمان رشدي وناشرين الكتاب مهما كلّف الثمن. أعقب ذلك احتجاجات شبهها بعضهم بـ(هزة أرضية عمّت العالم كله) ولا يُعرَف في التاريخ كتُب حصل لها من تأثير في وقتها مثلما حصل لروايته، استنفار للمسلمين في كل مكان، وحتى غير المسلمين، غضباً على ما أطلقوا عليه “إهانة وإساءة للرسول وللإسلام”، كون الرواية اقتبست حدثاً من السيرة النبوية يتلو فيه النبي آيات سورة النجم ويُلقي الشيطان في كلامه آيات “تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لتُرتجى..”، فيسجد النبي ومعه المسلمين والمشركين. واعتبر كثير من المثقفين –ليس فقط العرب، بل حتى من مثقفين الغرب وقياداتهم أيضاً- خروج الرواية بهذا الشكل إساءة استخدام لحرية التعبير لما فيها من تعدي على الإسلام والمسلمين.
وفي 2 يوليو 2012 رُفِع على اليوتيوب مقطع من فيلم: (براءة المسلمين). وفي 8 سبتمبر 2012 عرض الشيخ المصري خالد عبدالله دقيقتين من الفيلم على قناة الناس في سياق حلقة عن الحقد الغربي على الإسلام، ومن بعدها أُثِيرَت الاحتجاجات في العالم الإسلامي على الفيلم وعلى منتجيه وعلى شركة جوجل واليوتيوب لعدم حذفه.
في 25 سبتمبر 2012 ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطاباً علّق فيه على أحداث الفيلم المسيء بكلمات واضحة أريد أن أنقلها كاملةً هنا لوضوحها ودلالتها المباشرة، قال:
(أعرف أن البعض يتساءل لماذا لا نمنع فيديو مثل هذا؟ الإجابة موجودة في قوانينا، دستورنا يحمي الحق بممارسة حرية التعبير، هنا بالولايات المتحدة تنشر أموراً تهجمية لا تعد ولا تحصى. مثلي أنا، غالبية الأمريكيين مسيحيين، لكننا لا نمنع الكفر والتجديف تجاه أقدس معتقداتنا. بصفتي رئيس وقائد للقوات المسلحة، أوافق أن يقولون أموراً شنيعة عني كل يوم، وسأدافع دائماً عن حقهم بذلك. فحرية التعبير تشمل حتى تلك الآراء التي نختلف معها. نحن لا نفعل ذلك لأننا نؤيد خطاب الكراهية، لكن لأن المؤسسين فهموا أنه من دون هذه الحماية قد تصبح مساحة كل شخص للتعبير عن رأيه وممارسة إيمانه في خطر. نحن نفعل ذلك لأن محاولة تقييد حرية التعبير في مجتمع متنوع قد تتحول لأداة لإسكات المنتقدين وقمع الأقليات. أقوى سلاح ضد خطاب الكراهية ليس المنع، بل المزيد من الكلام، أصوات التسامح هي التي تواجه الكراهية وتؤدي للتفاهم والاحترام المتبادل. أعلم أنه ليست كل الدول تتفق معنا في هذا الفهم لحرية التعبير. ولكننا ونحن في 2012 حيث أي شخص يستطيع من خلال هاتفه النقال نشر آراء تهجمية بضغطة زر، فكرة أن نتمكن من السيطرة على تدفق المعلومات مستحيلة.)
خصوصية ردة الفعل الإسلامية:
ليست قضايا (ازدراء الأديان) التي نتج منها اعتبار (حرية التعبير) ينبغي أن تكون “مقيدة بالمساس بالمقدسات الدينية” خاصّة بالمسلمين وحدهم، وليس الاحتجاج وإقامة المظاهرات واستثارة الجماهير أمر مقتصر على المجتمعات المسلمة وفقط. وربما كان المسيحيون أكثر حرصاً من المسلمين على تعميم قانون دولي لتجريم ازدراء الأديان، فهُم ألِفوا الإساءات إلى يسوع.
لكن، خصوصية المسلمين عن باقي الديانات تأتي في ردة الفعل التي تكون ويثيرها انتهاك المقدس الإسلامي، فهي لا تقتصر على الاحتجاج والغضب والمظاهرات، بل يصحبها تهديدات بالقتل وفتاوى وخطب جمعة وتأليف كتب. كل هذا يدل على خصوصية المقدس الإسلامي، فالاستثارة على قضايا “إهانة المقدسات” شيء، وتضخم ردات الفعل ودرجة استثارتها شيء آخر. الكاتب البريطاني بيخو باريخ -وأكثر كتبه في اللاعنف والتسامح والتعددية الثقافية- قال في دراسة له عن قضية رشدي حاول فيها دراسة ردود الفعل بحسب مشاهداته: (باستحضار أحداث أكتوبر 1988 -بعد حرق الكتاب في الهند واحتجاج المسلمين في بريطانيا- ما يصدم المرء فعلاً حول احتجاجات المسلمين هذه في بريطانيا ليس التعصُّب المُفرط، بل الشعور بالخجل والحياء. ليس الشعور بالغيظ، بل بالألم. ليس الشعور بالغضب، بل بالكُربة والوجع).
وكان تعليق عدنان إبراهيم في 2012، أي في قضية (الفيلم المسيء) –ويُلاحَظ أن قضايا الاحتجاجات الإسلامية تجعل الحدث من أبرز الأحداث السياسية في العام الذي تحدث فيه، فأواخر 1988 وبدايات 1989 سلمان رشدي، وأواخر 2005 وبدايات 2006 الرسوم الدينماركية، وأواخر 2012 الفيلم المسيء-، كان تعليقه مُلامسا لمشكلة تفاعل المسلمين مع هذه القضايا أكثر من تحميل “المسيئين” ذنب هذا كله.
فمما علّق به عدنان إبراهيم أن الفيلم مسخرة وجعل المسلمين في ردة فعلهم هُم مسخرة كذلك. وأنه عارٌ على المسلمين أن يجعلوا منتجين الفيلم خصوماً للنبي. ويخوضوا معركة كأنها معركة حقيقية، فإذا فعلوا هذا، يكونوا هُم من أساؤوا إلى النبي (في قضية الرسوم الدينماركية وصف أحد المحلّلين ردة الفعل بقوله: لقد تصرّف المسلمون كما لو أن النبي فعلاً كان كما رسمه الرسّام!). يكمل عدنان إبراهيم أن كل هذا الذي يحصل المراد منه ترسيخ إمكانية أن تُستجَر الشعوب الإسلامية إلى معارك ومجازر ومذابح بأتفه الأسباب، وأن سبب استجابة الشعوب لهذه الأسباب عدم تأسيسها توعوياً باستبداد الوعّاظ والفقهاء الذين يشغلونها بقضايا تافهة.
يضيف أيضاً إلى مشكلات المجتمعات الإسلامية أنها تحتاج أن تفهم طبيعة علاقتها بالعالم، والتعايش مع العالم، ويتساءل: هل نحن في حالة حرب مفتوحة في العالَم؟ لماذا يكرهوننا؟ لماذا يُتندّر بنا؟ وأن الأولى على المسلمين بدلاً من (التناحُب والتشكّي والتلوّي) من المسيئين لفهم الدين الإسلامي من خارجه، أن يسعى المسلمون نفسهم لفهمه فهماً صحيحاً. ثم يشكوا إلى الله من هذا الغثاء، وهذه السطحية. وأن علماء المسلمين يسيرون حسب ما تسير به أهواء الجماهير ماذا تُحب أن تسمع ويُقال لها. وأن الدين يُحرس بالعقلاء لا بالجهلاء.
التأزم الاجتماعي/ السياسي، لا الواجب الديني، هو ما يقفُ خلفَ هذه الاحتجاجات:
أتساءل هنا: هل المحرّك الرئيسي لهذه الاحتجاجات هو شعور هؤلاء المحتجين بالواجب الديني وأنهم يمتثلون إليه كما يمتثل المسلم العادي لواجب عيادة المريض وتشميت العاطس مثلاً؟ أنا أقول: بالطبع لا، ولا علاقة لها لا بالدين ولا بالمقدسات. علاقتها الأولى بالتأزم الاجتماعي والسياسي، الشعور بالتهديد والرغبة في توكيد الذات، إثبات الذات.
أقصد بالتأزم الاجتماعي والسياسي بمعنى أنها ليست رد فعل مباشر لشخص ما في مكان ما قال كلام ما أساء فيه إلى المقدسات الدينية بحيث أن “الواجب الديني” لكل المنتمين لهذا الدين من جميع الحدود الجغرافية اقتضى منهم بعد قراءتهم لما قاله هذا المسيء والتحقق منه وأنهم وجدوا أن حكم الله –وهو العدل المطلق والخير المطلق- في هذا الكلام الكفر والزندقة وأن الخروج إلى الشارع لتحقيق هذا الحكُم مطلب شرعي ومُلتزم فيه بالآداب الشرعية، ليس هذا المحرّك لمثل هذه الاحتجاجات. بل هو في الأصل تأزم اجتماعي وسياسي، تهيؤ “المزاج العام” وقابليته لهذه الإثارة، ومصادفة الحدث وقت مناسب لإثارته في الرأي العام، ونجاح هذا التصعيد وفشله مرتبط بالوقت والمكان الذي ينشر فيه، لا بحصول هذه الإساءة فعلاً أم لا. فمثلاً: قضية حصة آل الشيخ صادفت غضب لحظي مؤقت لم يمتد رغم ظهور شخصيات دينية في الفضائيات ساعية بجهد لتصعيدها، بخلاف قضية حمزة مثلاً فهي هزّت المجتمع السعودي هزة استمرت لفترة. وإن كانت قضية حمزة حظيَت بامتداد محدود وتعليقات من الكويت ومصر مثلا، فقضية حيدر حيدر في 2000 لم تتجاوز حدود مصر.
يقول إريك فروم أن فهم النفس الإنسانية لا بد من أن يُبنى على تحليل ما أسماه “الحاجات الخمس” للإنسان النابعة من ظروف وجوده: الحاجة إلى الانتماء، الحاجة إلى التعالي أو التجاوز -الخلق والإبداع-، الحاجة إلى الارتباط بالجذور والانضباط الاجتماعي، الحاجة إلى الهوية، الحاجة إلى إطار توجيهي مرجعي. كل هذه “الحاجات”، فيما هي هوية وانتماء وإطار مرجعي وتجذُّر اجتماعي، حينَ يشعر صاحبها بأنها تُهدّد أو تُهان سيبدو مفهوماً مُقاومته لهذا القلق بالغضب والانفعال.
الذي يدفعني لقول هذا سببين:
- الأول: وقوع حوادث إساءة للمقدسات طوال الوقت..
جاء معنا في خطاب أوباما ضمن تبريره: (نحن في 2012 حيث أي شخص يستطيع من خلال هاتفه النقال نشر آراء تهجمية بضغطة زر، فكرة أن نتمكن من السيطرة على تدفق المعلومات مستحيلة). ولن نبتعد كثيراً، فتويتر مثلاً، طوال الوقت ستجد حسابات، بمتابعين قليلين أو كثيرين، تحمل تعليقات ساخرة من الأديان والتعاليم الدينية.
ويذكر مثلاً عبدالرحمن الراشد (في مقاله: ثقافة الكراهية لا تنتهي، 15 سبتمبر 2012) تعليقا على حادثة الفيلم المسيء أن هناك فيلم عُرض قبلها بأسابيع عن تاريخ الإسلام أكثر سوءًا من فيلم اليوتيوب نفى فيه صاحب الفيلم وجود الإسلام والقرآن إلا بعد أكثر من مائة عام من احتلال العرب لمناطق الشرق الأوسط. وأن هناك فيلم أميركي بذيء آخر أنتج بمقومات عالية. لم يهتم بكلا الفيلمين أحد لأنهما خارج الرادار الشعبي والجدل السياسي ولم يروّج لها.
ومشهورة أعمال الستاندأب كوميدي: جورج كارلين، أو بيل ماهر، و”ازدرائهم الصريح للأديان” علني ولا يقتصر على دين دون آخر. وسنوياً في 20 مايو يُقيم بعض المدونين واليوتيوبيين يوم: Draw Mohammad Day لرسم الكاريكاتير، ولما اطلعت عليها كانت أسوء وأكثر استفزازاً بكثير من الرسومات الدينماركية.
- والسبب الثاني: شهادات متعلقة بتحليل ردود الأفعال هذه:
وتأتي هذه الشهادات بتناسب عكسي مع حجم ردة الفعل، فلو كانت ردة الفعل شديدة وقوية يخفُت الصوت الذي ينبّه إلى أن هذه الاحتجاجات مستنكرة. لم يجرؤ أحد للحديث برأي مخالف في قضية سلمان رشدي -إلا قليل جداً-. في قضية الفيلم المسيء علّق الأنبا مرقس، عضو مجمع المقدس والمرشح للكرسي البابوي: (هناك من يحاول صبّ الزيت فوق النار لإشعال فتنة طائفية بين الأقباط والمسلمين)، ويُفهَم من هذه العبارة: أن هناك نار تنتظر الزيت. وعلّق رفيق فاروق، المنسق العام لرابطة أقباط 38: (هناك مخطط تقوده أجهزة إستخباراتية من أجل تقسيم مصر، والفتنة الطائفية هي الثغرة التي يحاولون النفاذ منها). ويُفهَم من هذه العبارة: أن هناك قابلية للطائفية، تنتظر إثارتها.
وفي كل قضية حصلت يُمكن رصد التعليقات التي تُشير إلى أوجه المشكلة الاجتماعية فيها. يقول برهان غليون في كتابه (المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات): ( ليس التمايز الديني أو العرقي المسبق هو الذي يولد التفتت الاجتماعي ولكن التفتت هو الذي ينعش التمايزات القديمة ويثمرها ويعطيها قيما جديدة وأوزانا سياسية. ويجب البحث عندئذ عن أسباب هذا التفتُّت.)
طبيعة التأزم السياسي ؟
رجال الدين وخطباء المنابر هم من أول من يبارك هذه الاحتجاجات ويحمدوا هذه “الغضبة لرسول الله”، وكثير منهم وإن كان يستنكر العُنف ويدعو إلى ترشيد السلوكيات أكثر وعدم المعاملة بالمثل (مثلما حرق الشيخ أبو إسلام المصري الإنجيل ردا على الفيلم المسيء وقوبل فعله باستنكار الجميع)، لكن هذا استنكار فقط في الشكل والطريقة التي قد تتطرّف أحياناً أما المبدأ نفسه فهو مُبارك ويُحمد لهؤلاء المحتجين. ويتمادى كثير منهم في تصوير الإساءات باعتبارها: (امتدادا لمنهج ومخطط استراتيجي للغرب في معاداة الإسلام). بل بعضهم يُعيدها لتصورات مانوية للعالم فهو صراع (بين الخير والشر مُنذ عهد آدم عليه السلام). يقول بيرنارد لويس في وصفه هذا الموقف الرافض: (هذه الكراهية تتجاوز أحياناً العداء الموجه ضد مصالح وأفعال وسياسات، وحتى بلدان معينة، وتصبح رفضاً شاملاً للحضارة الغربية برمّتها، ليس فقط بما تجترحه هذه الحضارة بل بما هي، بقيمها ومبادئها التي تمارسها وتحترفها. فهذه المبادئ والقيم تبدو لهم حقاً شراً متأصلاً، وأولئك الذين يشجعونها أو يقبلون بها يعتبرون “أعداء الله”.)
رغم أن تصوير الغرب كحاضنٍ لهذه القضايا هو من التزييف، فالنقد الذي تعرّض له سلمان رشدي من العالم الغربي شديد جداً وبتصريحات من كبار ساسته في وقتها. إلا أنه مُلاحظ أن الخطاب الذي يسود من قبل المشايخ –في وقت شدّة وسخونة هذه القضايا- خطاب يصفها بأنها امتداد للمشكلة الأزلية بين الإسلام والغرب منذ القرون الوسطى. والشعور بالتآمر والتحالف ضد الإسلام. التحالف الأمريكي الأوروبي الصهيوني. يغذي هذا كله الأدبيات الإسلامية المتعلقة بعلامات الساعة وأن المهدي سيأتي ليرفع راية الإسلام على العالم أجمع. وتفسير هذا كله ضمن سياق نظرية هنتغتون (صدام الحضارات) وتصوُّر وتفسير العالم على أنه صراعات أديان، بين الدين الحق والعقائد الباطلة. والواقع أن كثيراً من ردود الأفعال يستطيع أن يجد المتأمّل فيها (قومية إسلامية) تُطِل برأسها من بين الشعارات تُريد أن تُعلي صوتها بأكثر ما تستطيع. أي أن هذه القضايا تثير كل فكرة واعية أو لاواعية تؤمن بأن التوحُّد القومي الديني هو الحل الوحيد لاستعادة المجتمعات الإسلامية لقوّتها التي ستجعلها تُخرِس “هؤلاء الكفّار المُسيئين لديننا”.
في الواقع هناك حادثة كان من المرشّح تماماً من حيث أجواءها أن تنال نفس ما نالته قضايا الإساءة الأخرى من ردات فعل عند المسلمين، لكنها لم تكُن كذلك، وتفسيري الوحيد أن سبب ذلك: عدم تهيؤ المزاج العام وقتها لاستثارته، وعدم النجاح لتصعيدها إعلاميا، تلك الحادثة هي أن الأديب البريطاني من أصل تايلندي (في إس نايبول)، والذي له تصرحات حادة مناهضة للإسلام ووصفه بالإرهاب، فاز بجائزة نوبل للآداب سنة 2001. يعلق أشرف فقيه على هذا الأمر بقوله: (لكن الرجل – لحظِّه – لم يجد خمينياً يصدر بحقه فتوى من عيار تلك التي صنعت كل نجومية سلمان رشدي والذي يدين حقاً للمؤسسة الدينية بالكثير من الفضل!)
وأستذكر هنا ثلاث حوادث تشير إلى جوانب في هذه الاحتجاجات، تُشير إلى أن تصورها لهذه القضايا هو عداوة بين (الإسلام والغرب!). الأولى: في يونيو 2007 كُرّم سلمان رشدي من ملكة بريطانيا بجائزة تشجيعية ولقب (فارس). وكرد فعل مُضاد قام أعضاء مجلس العلماء في باكستان بتلقيب أسامة بن لادن بلقب (سيف الله). الثانية: عندما ظهر الفيلم المسيء، وكرد فعل مُضاد قام بعض المحتجّين في مصر والبحرين برفع شعار (القاعدة). والثالثة: أن إيران بعد إعلانها عام 1989 عن تخصيص مكافأة لقاتل رشدي، في 2012 وبعد الفيلم المسيء رفعت المؤسسة الدينية في إيران وبمباركة من نجاد المكافأة إلى 3,3 مليون دولار لمن يأتي برأس رشدي. من منطق: لو قُتِل رشدي لما تجرّأ أحد غيره على أن يكرّرها. ويظهر أن الفكرة من هذا كله هي تصوير عدو مشترك واحد لا فرق بين هذا العدو كان من بريطانيا (سلمان رشدي) أم كان من أمريكا (الفيلم المسيء).
وكما أن الجانب السياسي “عداوة الغرب للإسلام” متعلق بالأعداء الخارجيين، هناك جانب سياسي متعلق بالأعداء الداخليين. أعني داخل المجتمع والدولة المسلمة نفسها بين تياراتها الفكرية والسياسية. وأستطيع أن أُطلِق على هذا التوظيف السياسي مسمى: (فرد العضلات). هذه العبارة التي تعني فيما تعنيه الإشارة إلى الصراع والقوة والرغبة في السيطرة وإظهار التمكُّن والاقتدار على الآخر. والمقصود أن بعض منتسبي التيار الإسلامي المتمثّل في المشايخ وأهل المنابر، يريد أن يُخرِس مختلفين معه في الرأي أو في الفكر ينافسونه في الفضاء العام ويكتبوا في الصحافة أو في تويتر ويقيموا الأنشطة الخاصة بهم، خطيب المسجد الذي يُوجّه الحضور إلى عدو معيّن هو يُعطيه ما يُريدونه هُم من شعور بالتماسُك نحو العدو المشترك. يريد أيضا أن يُثبت وجوده وسماع كلمته والتعبير عن نفسه إعلاميا (لنذكُر مثلاً رمزية مشهد رفع نائب سلفي للأذان في البرلمان المصري) وأن ينال قوة أن يضغط على أصحاب القرار السياسي بحيث يستجيبوا له ولما يطلبه ويظهر أمام المجتمع والدولة بمظهر الحامي للدين. وهذا النوع من التوظيف السياسي يتكرر كثيراً في المشهد السعودي، وإن لم يكُن السبب “ازدراء أديان” فهو بسبب انحراف في العقيدة (التحريض على حسن فرحان المالكي مثلا) أو مخالفة الآداب العامة (التحريض على رواية بنات الرياض مثلا).
طبيعة التأزم الاجتماعي ؟
بطبيعة الحال كل مجتمع بحسب ظروفه ومتغيراته. ربما يكون هذا التأزم: شعور بالتهميش من قبل النظام الحاكم، وعدم المشاركة السياسية، أو شعور الأقليات المسلمة في الدول الغير مسلمة بالاضطهاد، أو أي شعور عام بالاحتقان والإحباط والرغبة في تفريغ الغضب المكبوت تجاه عدو واحد تصب عليه كل اللعنات كان هذا العدو ابنا لهذا المجتمع أو من خارجه. وربما تكون ملامح هذه الأزمة متعلقة أصلاً بنمط التديُّن في هذا المجتمع، والطريقة التي يتلقى الناس فيه تعاليم دينهم ومعتقداتهم، والتي قد تكون مخلخلة مهزوزة تشعر بالثبات والاتزان بقدر ما تُبدي من عُنف وعدوان للآخر المختلف. وربما تكون هذه الأزمة في الموقف العربي أصلاً تجاه (العولمة) و(التقدم التكنولوجي الغربي) و(الحداثة) وقيَمها بما في ذلك قيمة حرية التعبير المستوردة منها، بحيث أنه حين تعتدي هذه القيَم على الرمز الديني يرتدُّ نكوصاً وتمسكا بكل ما يربطه بهذه الهوية، ويرفض كل ما من شأنه أن يُقارب بينه وبين مصدر الاعتداء.
الإحباط – العدوان.. كبش الفداء- الضحية:
( جميع أولئك الذين لا يرضون عن حالهم، مستعدون دائماً للانتقام، ونغدو نحن الآخرين من ضحاياهم ) – نيتشه.
تأتي دراسات التعصُّب وما يسمى في علم النفس، وعلم النفس الاجتماعي: (الاتجاهات التعصبية). بالكثير من النظريات المفسّرة لظاهرة التعصُّب سواءً على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة. لفتت نظري نظرية تسمى (الإحباط – العدوان “كبش الفداء”).
تفترض هذه النظرية أن أسلوب التربية المتشدد تجاه عدوان الطفل يزيد من ميل الطفل إلى أن يسلك بصورة عدوانية. ولأن الطفل تعلم أنه سوف يُعاقَب بشدة حينما يسلك سلوكا عدوانيا تجاه أي شخص من أعضاء جماعته الداخلية “أعضاء العائلة مثلا”، فإنه يحدث لهذا العدوان “إزاحة” من المصدر الأصلي للإحباط إلى أعضاء الجماعات الخارجية. تأتي هذه الإزاحة حينما لا يستطيع الشخص الهجوم على مصدر الإحباط أو الإزعاج بسبب الخوف منه، أو عدم وجوده في متناوله. فإذا حدث اكتئاب لشخص معين نتيجة فقدانه وظيفته فإنه يشعر بالغضب والعدوانية، لكن في الوقت نفسه لا يوجد أمامه شخص محدد يمكن اعتباره مسؤولاً عن هذا الذنب. وفي ظل هذه الظروف يبدأ الشخص في البحث عن “كبش فداء” يوجه إليه اللوم على الصعوبات التي يواجهها، ويعتبره السبب في حدوثها، وبالتالي يهجم عليه. ويكون “كبش الفداء” غالبا، عضوا في إحدى جماعات الأقلية الموجودة في المجتمع.. راجع: د.معتز عبدالله، الاتجاهات التعصبية. من ناحية الدراسات النفسية، لا تُعَد نظرية (الإحباط – العدوان) نتيجة نهائية معتمدة، وتُعتبَر نظرية ناقصة بحاجة إلى مزيد من التجريب والبحث، يُؤخذ عليها مثلاً أنها لا تعيّن محددات اختيار الضحية، ومآخذ غيرها.
وكان مما علّق به د. عزيز العظمة على قضية رشدي أن رشدي كان عنوان القربان لدى أكثرية المثقفين العرب الذين كتبوا من خلال إدانته الإعلان عن العفة الحضارية التي جعل منها الإسلاميون في السنين الأخيرة علماً على الاستقامة، وجاراهم في ذلك الكثيرون. وأن هذا الإعلان جاء دون تكلّف قراءة نص هذه الرواية. لأنه ليس القصد من الموقف الحكم على الرواية ولا على سلمان رشدي، بل اتخاذه كموقف عملي ينبئ عن انتماء إلى جماعة ما، تماماً مثلما أن الضحايا البشرية في طقوس الأمم المتوحشة ما كان يشفع لها كونها في أكثر الأحيان، من الأطفال أو الصغار أو الشباب والشابات، ولا يهم كانت هي مذنبة أم لا، أو تنتمي للجماعة المضحّية بها أم لا.
ومما أشار له رينيه جيرار أستاذ الحضارات، صاحب كتاب: (العنف المقدس)، أن فكرة كبش الفداء هذه كل المجتمعات البدائية قامت عليها وتحوّلت إلى طقسٍ يُمارَسُ بانتظامٍ للحفاظ على تماسك الجماعةِ بتوجيه طاقتها العدوانية وعنفها نحوَ غرضٍ رمزيّ، فبعد التضحية يعودُ السلامُ. فالجماعةُ، بحسب جيرار، ترى أن الضحيةَ هي التي كانت وراء كلّ مصائبها، ولا بد أنها تمثّلُ كل الشرّ، لأنها جلبتِ العنفَ والدمار، لكن ها هو قتلها سيُعيدُ السلام. يذكرنا هذا بتلك الصور المعدّلة بالفوتوشوب تضع ملامح الخنازير مدمجاً فيها وجه سلمان رشدي، أو الرسام الدينماركي، أو هنري جونز القس المتطرف المتورط في نشر وإنتاج الفيلم المسيء. فهؤلاء هُم الذين يمثّلون الشرّ الخالص ولهذا يجب استهدافهم وقتلهم وإراحة البشرية من شرهم.
لا أستطيع أن أدّعي أن كلّ قضايا الإساءة والاحتجاجات ضدها قابلة للتفسير بهذه البساطة، لكنّ هناك قضايا معيّنة يمكن بشدة ملاحظة الجزء المتعلّق بكبش الفداء. فقضية حمزة كاشغري، والمطالبات بقتله وكل ذلك الغضب والمطالبات بدمه. وقضية ألبير صابر، وتجمُّع الكثير أمام منزله وتناوله بأنواع الشتم والتهديد ومحاولات الاعتداء وهتافهم (الله أكبر). كل القضيتين يمكن بوضوح تحديد العناصر الثلاثة للنظرية فيها: الشعور بالإحباط، اختيار الضحية، إزاحة العدوان فيه.
الجمهور منتقماً من الضحية:
ما أن يُذكَر باب (سيكولوجيا الجماهير) إلا ويُذكَر اسم المؤرّخ الفرنسي غوستاف لوبون فهو أثرى هذا الباب بعدّة مؤلفات، (علم نفس الحشود) يُصنّف على أنه فرع من فروع (علم النفس الاجتماعي) غير مُكتمِل الدراسات والملامح. وكانت أحداث الثورة الفرنسية هي أكثر ما أثّر في لوبون وجعلته يجدُّ في دراستها.
من أفكار لوبون الرئيسية أن الجماهير تبرهن على انحطاط أخلاقيتها، لسبب بسيط هو أن غرائز التوحش الهدامة عبارة عن بقايا العصور البدائية النائمة في أعماق كلٍ منا، وسوف يكون من الخطر إرضاؤها أو إشباعها بالنسبة للفرد المعزول، ولهذا فإن انخراط الفرد في الجماهير الغير مسؤولة سيجعله قادرا على اتباعها دون تعرضه هو وحده للمعاقبة، والجماهير التي تمزق إربا إربا وببطء ضحية لا تستطيع الدفاع عن نفسها، تبرهن على قسوة جبانة جدا، ولكنها بالنسبة للفيلسوف، المتأمّل من بُعد، تشبه تماما جماعة الصيادين المجتمعين لكي يشاهدوا بنوع من المتعة كيف تمزق كلابهم غزالا بائسا كانوا قد اصطادوه.
فالجماهير بحسب لوبون، مجنونة بطبيعتها. وهي تصفق بحماسة شديدة لمطربها المفضل أو لفريق كرة القدم الذي تؤيده، وتعيش لحظة هلوسة وجنون. والجماهير المهتاجة التي تهجم على شخص لكي تذبحه دون أن تتأكد من أنه هو المذنب هي مجنونة أيضاً. فإذا ما أحبت الجماهير دينا ما أو رجلا ما تبعته حتى الموت كما يفعل اليهود مع نبيهم والمسيحيون المتعصبون وراء رهبانهم والمسلمون وراء شيوخهم. فالجماهير لم تكن في حياتها أبدا ظمأى للحقيقة. وأمام الحقائق التي تزعجها فإنهم تحول أنظارها باتجاه آخر، ويفضلون تأليه الخطأ، إذا ما جذبهم الخطأ. فمن يعرف إيهامهم يصبح سيدا لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينهم، ربما سيصبح ضحية لهم.
ما معنى هذه المصطلحات: المساس، الازدراء، الإساءة ؟
وهل سنتمكن من تحديد السلوك الذي تنطبق عليه مصطلحات (المساس، الازدراء، الإساءة)؟ بلا تحديد واضح يحمي حرية التعبير، سندخل في حالتين: 1- إما حالة تجعل من يقول (الإسلام ليس دينا من عند الله) مثلا، سيعتبر هذا “ازدراء” منه، والذي يقول (محمد ليس رسولا) سيعتبر ذلك “إساءة” منه. 2- وإما حالة تُعيدنا إلى إبقاء هذا الوصف شمّاعة قد يلجأ إليها القضاء في القضايا التي تكبُر وتحوّل لرأي عام، حتى يقال أن القانون نص عليه. بينما هو لا يطبق بشكل فعلي على كل من “ازدرى” أو “أساء”. يُعيدنا هذا إلى مشكلة العبارات الفضفاضة في التوصيف، وبالتالي ستُطبّق “العدالة” على البعض –الذي شُهِّر به- دون غيرهم.
هل يمكن تحديد “الإساءة” و”الازدراء” بما يتوافق مع كل الأديان والمقدسات الدينية، وبما ينطبق على المسلم نفسه؟ فمثلا، في البخاري حديث أبو هريرة (لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد). أليست إساءة للصليب وهو رمز ديني مقدس للمسيحيين؟ هل يمكننا أن نتصوّر حال المسيحي الذي يقول نفس الكلام عن القرآن مثلا؟ وماذا عن الآيات الكثيرة التي تصف المسيحيين بالشرك، والضلال، والغي، كيف سيتثنى هذا كله من مفهوم “الإساءة”؟
هل هذه القيود مبادئ بحيث أن اختلالها يعد انتهاكا حقوقيا يجب ملاحقته؟ ينطبق على هذا، مثلاً، أن المسلم لن يرضى بفيلم مثل “الإغواء الأخير للمسيح” أو برواية مثل رواية “دافينشي كود” تنشر في بلده وتباع وتحقق مبيعات، فكلا الفيلم والرواية استفزت المسيحيين وكوّنت إنكار واحتجاجات، يفترض أن لا يرضى المسلم بها فالانتهاك الحقوقي حاصل فلا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه. وكل هذا سيشمل أيضا خطباء الجمعة الذين يصفون اليهود بأنهم “أحفاد القردة والخنازير” والمسيحيين “ضالين” وكتابهم محرّف وهم مشركون.
سؤال آخر: ما المقدسات ؟
فقد جاء في القانون المقترح من الأزهر على لجنة إعداد الدستور: (الذات الإلهية مصونة ويحظر المساس بها، وكذلك ذوات أنبياء الله وأمهات المؤمنين والخلفاء الراشدين والصحابة)
إذن هل سيشمل “المقدسات المستثناة من حرية التعبير”، بحسب هذا التعريف، كل آيات كتاب الله، وكل الأحكام والتفصيلات الواردة فيه، والألفاظ المشهورة باقتباسها منه. وكذلك كل المنقولات والمرويات عن الصحابة والأنبياء وأمهات المؤمنين وكل أحكامهم وآراءهم. ومعلومٌ تأثير الدين وامتداده العميق في كل القيم الأخلاقية والثقافية للمجتمع، وبالتالي السخرية من أي شيء من هذا كله من الممكن جعلها ازدراء أديان؟
بما أن هدف المطالبين باستثناء المقدس من حرية التعبير “حماية مشاعر المجتمع” فهم لن يستطيعوا الكلام عن حدود واضحة لهذا المقدس، فطالما الحد مرتبط بالمجتمع فهذا المقدس المستثنى من حرية التعبير هو ما (سيستفز المجتمع) ، ومثل هذا الحديث في هذا السياق لا يضيف شيئا. فالمجتمع قد يُستفَز من مُلحِد يعبّر عن أفكاره ويستعرض الأدلة على إلحاده أو بطلان الكتب السماوية بلا أي قصد لإثارة أو إساءة، وقد يُستفَز من رأي لا علاقة له بالدين يُبدي فيه كاتب صحفي رأيه في تقدُّم المجتمعات الأخرى وتخلُّف مجتمعه، وقد يُستفَز المجتمع من سوء فهم لا صلة له بمراد الكاتب، وقد يُستفز المجتمع ويُستنفَر على مزاج السياسي أو رجل الدين وموازناتهم السياسية. وكل كلام عن مراعاة استفزاز المجتمع لا يتحدّث عن حقوق، بل يتحدّث عن إعلام جماهيري. وكثيرا ما يُحاك الإصلاح والتطوُّر بحوادث وقضايا تستفز المجتمع.
هل هناك إمكانية لتشريع قانون دولي يجرم ازدراء الأديان؟
كل ما سبق يقودني إلى أن خطاب “المطالبة بفرض قانون دولي لتجريم الإساءة إلى المقدسات”، والذي يُتبنى بتحالُف عادةً ما بين المسلمين والمسيحيين، هو خطاب همّه الأساسي بالدرجة الأولى حماية ذات دين المتبني لهذا الخطاب. خطاب غاضب، عفوي، ارتجالي، منفعل، ويريد أن يثبت موقفه “العالمي” بهذا الشكل، يؤكد هذا أنه لا يظهر الكلام عنه إلا في وقت قضايا الإساءة عندما تتحول إلى رأي عام أو حدث سياسي.
فكرة “قانون دولي لتجريم ازدراء الأديان” تواجه مشكلات كثيرة أهمها:
1- هل الأديان الواجب احترامها الديانات الإبراهيمية الثلاثة أم كل الأديان ؟ إذا كان المنطلق منها “حماية مشاعر المؤمنين بالمقدسات” فذلك يشمل كل الديانات، وكل مُعتقِد بعقيدة ما مهما كان هذا الشخص تافها ومهما كان معتقده سخيفا فيحق له أن يُطالِب باحترام معتقده ومقاضاة من يزدريه.
2- بمقتضى قانون كهذا فإن أول من سيذهب ضحيّته هم المسلمين نفسهم، فدعوى أن (الإنجيل محرّف) تؤذي مشاعر المسيحيين، والدعاء على اليهود بـ(أحفاد القردة والخنازير) يؤذي مشاعرهم، بل وحتى بين الدين نفسه وصف الشيعة بـ(الرافضة) ووصف الصوفية بـ(القبورية) ووصف السلفية بـ(التخلف والرجعية) سيؤذي مشاعرهم. وعدم الاعتراف بديانة أقلية معينة في بلد ما وعدم السماح لها بالتبشير بها والدعوة العلنية يؤذي مشاعرها وبالتالي سيحق لأتباع هذه الديانة أن يُقاضوا النظام الحاكم في بلدهم.
3- مشكلة التكفير وتعيين الآخر، والتي أشار إليها عبدالرحمن الراشد في مقاله: هل يمكن عقد هدنة بين الأديان؟ (سيواجه دعاة إيجاد ضوابط قانونية تحرم سب الأديان وأتباع الأديان، أن ذلك سيصطدم بالعقائد نفسها، حيث يوجد خلاف حقيقي وعميق بين الأديان، والحقيقة أن التكفير هو من صلب كل الأديان ضد الأديان الأخرى بلا استثناء، وبالتالي كيف يمكن معالجة هذا الجانب الحساس والخطر جدا؟)
تعامل المثقف مع مشكلة (حرية التعبير) و(المقدسات الدينية) :
يعرف المثقف حين يتحدث عن “حرية التعبير” و”الإساءة إلى المقدسات الدينية” أنه يسير في حقل ألغام. فمن جهة، هو لا يرضى بأن يتم تقويض حرية التعبير بما يُسمّى “المساس بالمعتقدات الدينية” لأنه يعرف أن عبارة فضفاضة كهذه قد تطال كل ما لن يُرضي رجال الدين وقد تتخذ ذريعة للقضاء على كل انفتاح وتعددية. ومن جهة أخرى، يخاف أن يبدو شكل “حرية التعبير” التي يريدها مصادماً للناس في معتقداتهم بحيث ينفروا منه ومن حرية التعبير جملةً وتفصيلاً.
ومن هنا، يسير المثقف على خيط شعرة معاوية، ويغيّر خطابه بتغيُّر المزاج العام، فعندما لا يبدو الحديث عن حرية التعبير حساساً، يتحدّث عنها ويأخذ مواقف نضالية باسمها، وعندما يبدو حديث حرية التعبير حساساً ومُصادماً للمعتقدات الدينية للناس، يقرّب لهم مفهوما للحرية يُدان فيه من يُسيء إلى معتقداتهم. (مع الحرية وضد الإساءة) كما يعبّر الأستاذ محمد محفوظ مثلا.
يملك المشايخ والإسلاميين رأسمال (المشاعر الدينية) للجماهير، وحتى لا يسمح لهم المثقف باستغلال مشاعر الناس وعاطفتهم الدينية لتشويه حرية التعبير، يأخذ المثقف بشكل ظاهري موقف (حرية التعبير مقيدة بالمقدسات) وسيقول بأن المبالغة في الحديث عن “قيود حرية التعبير” هي حديث في الاستثناء في ظل عدم وجود الأصل. بينما قد يكون هذا المثقف عملياً يعتبر الإساءة للمقدسات هي فعلا حرية تعبير، وسيسكت عنها بشكل عام، إلا لو تحوّلت قضية بعينها إلى قضية رأي عام سيبدأ في حماية نفسه من تشويه المشايخ له. وهذا الموقف سياسي بامتياز وهو مجملاً مبرّر ومفهوم جدا.
ليست المشكلة في مسايسة المثقف للجمهور، ونموذج المثقف الذي يقول كل ما يريده في كل شيء بكل صراحة ولو أبغضه المجتمع وهمّشه التاريخ نموذج نادر ويصعب أن يكون فاعلا في صناعة التغيير الاجتماعي والثقافي، لكن المشكلة التي يقع فيها المثقف هي في أن يلبس هو ثوب هذه الجماهير ويتحوّل إلى صفّهم يتوحّد معهم ويشارك في تحريضهم، بتأصيله وتبريره لسلوكهم أو بإدانته من يهاجمونه وكأنه فعلاً سبب المشكلة.
لماذا هذه مشكلة ؟ لأن اللحظة التي يخضع فيها المثقف للجماهير يُخبرهم أنهم صادقون في احتجاجهم وأن هذا واجبهم الطبيعي، وأن المشكلة ليست منهم بل ممن يهاجمونه. هذا -المسيء للمقدسات- الذي قد يُهاجم لأنه -في ظروف طبيعية- مارس -ضمن كثير غيره- حقه البسيط في حرية التعبير ولم يكن أحد فيهم متوقعا كل ما حصل. فلو كانت هذه القضايا تُثار لأسباب قيَمية، دينيّة وإلهية صِرفة، لكانت نفس ردة الفعل هذه على كل إهانة لهذه المقدسات، الشيء الذي يحصُل -في هذا الزمن المعلوماتي- في كل وقت وفي كل ثانية. تكون المشكلة حين يشيح المثقف بعينه عن المشكلة الحقيقية التي تدور حول الجمهور نفسه، المجتمع نفسه، التأزم السياسي أو الاجتماعي الذي بسببه كانت الاحتجاجات المُثارة، لا بسبب شخص يُوجد آلاف غيره لكنهم لم يُوضعوا في مكانه.
في مقالها الشهير “خرافة اسمها: حرية سبّ المقدسات” ذكرت الكاتبة القديرة إيمان القويفلي أن (”حرية سبّ المقدّسات” هو البعبع الخرافي الذي يستخدمونه -بعض الإسلاميين الحركيين- لتخويف المجتمع من الحرية والديموقراطية ومقتضياتهما، وأي تبديد لهذا البعبع سيُعيد قضايا التحرر والحقوق إلى حيّز المعقول والقابل للنقاش بين المؤمنين المحافظين عموما). يشرح هذا الجزء “سياسة” هذا المقال، بدءً من عنوان المقال، ومقدّمته: (هُناكَ خُرافة اسمها: حرية سبّ المقدّسات. لا وجود لشيء يُسمى “حُرية سبّ المقدسات”. في أي دين، في أي قانون، في أيّ مكانٍ من العالم). وتأتي هذه العبارات كضربة استباقية لأي استغلال من قبل المشايخ ليضربوا به حرية التعبير، فيأتي هذا التقييد بوجوب احترام المقدسات صارما وقويا. وعن تحديد المقدس فهو (في كل مجتمع يُحدد عبر مساره الخاص مقدّساته ومحظوراته التي يتصالح عليها، وعلى أساليب حمايتها) أتى المقالُ قوياً مؤثراً ومنتشراً، فهو من ناحية يحمي ويدافع عن حرية التعبير وقيَم الديموقراطية، ومن ناحية أخرى يؤصّل لهذه القيَم بما يتوافق مع موقف المؤمن التقليدي ويقرّر له بأن “بعبع حرية سب المقدسات” غير حقيقي، وأنه حتى في أعرق المجتمعات ديموقراطية هناك “حق الآخرين في حماية مشاعرهم ورموزهم”.
يراعي هذا الخطاب توازنات سياسية مع الجمهور أكثر منه خطاباً مؤصلاً للحقوق –ويحق له ذلك وليست هذه مشكلة-، فينطلِق من موقف الذي لا يُريد استفزاز مشاعر المتلقي وفي نفس الوقت يريد أن يقرّب إلى المتلقي مفهوما للحرية غير المفهوم الضيق الذي يقدّمه الإسلاميين بل مفهوم منسجم مع تهيؤ المزاج العام بعد الثورات لقيم الحرية والعدالة والديموقراطية. لا أجد مشكلة حقيقية في هذا الخطاب، فهو -في وقت الأزمات- الحل التوعوي الوحيد، وربما سألجأ إليه. لكنه لو تحول من كونه موقف مسايس للجمهور في وقت استثارته، إلى موقف مبدأي وفهم متكامل لحرية التعبير، سيُفرز مشكلات كثيرة. فصحيح أن لكل مجتمع مقدساته، أو لنكُن أدق: الحدود التي تقف عندها حرية التعبير، لكن –في تلك المجتمعات العريقة في الديموقراطية والليبرالية- ليس منطلق هذه الحدود حماية مشاعر المجتمع بقدر ما هو حماية الهويات الفرعية للمجتمع من الاعتداءات على بعضها، القيد الذي يُوضَع من باب كونه “خطاب كراهية” وما هو “خطاب يحرّض ويحث على العنف واختراق القانون”. وفي أمريكا مثلا، الخطابات العنصرية لا تُجرّم، إنكار الهولوكوست غير مجرّم، والفيلم المسيء غير مجرّم، لكن التحريض ووجود الدلائل على تحوله إلى ممارسة سيكون مجرّماً.
.. مع فهمي جدعان:
يفسر فهمي جدعان في كتابه (المقدس والحرية) المواقف الإسلامية –والتي ينحاز لها فهمي- في الاحتجاج على الإساءة للمقدس من وجهين متقاربة: العنف النفسي للمعتقدين، وتهديد السلم الاجتماعي.
أما الوجه الأول: العنف النفسي للمعتقدين، فيقول أن مقيدي حق حرية التعبير باسم صون المقدس وعدم الإساءة إليه (لا يطلبون إلا احترام هذا المقدس). وأن هذا المطلب (مؤسس على قاعدة أن المقدس يدخل في البنية النفسية والعضوية للاعتقاد والمعتقِد، أي في العقل المعرفي والوجداني للمعتقِد). فـ(حين تقول لمؤمن إن محمداً منحرف عاشق للأطفال أو بيدوفيل، فإنك تصيب مقتلاً في نفسه وفي حساسيته الوجدانية، أي أنك تلحق به “إساءة نفسية” أو عنفاً نفسياً يحق له أن يقاضيك بسببه، وقد يدفع ذلك بعض الأفراد الانفعاليين إلى إلحاق أذى أعظم بمن أساء للمقدس عندهم. حين تصور النبي في صورة الإرهابي القبيح فإنك تجعل من المثل الأعلى الذي يجسده في حياة المؤمن الروحية ويجله ويُحبه إجلالا وحبا خارقين، مثالاً قبيحاً شنيعاً، وهذا يؤذيه ويلحق به إساءة نفسية أو عنفاً نفسياً يحق له أن يقاضيك بسببه).
وأما الوجه الثاني: تهديد السلم الاجتماعي، فيُبنى على أنه (إذا كان تشخُّص المقدس في نفوس المؤمنين هو على النحو الذي أشرت إليه، وإذا كانت الدولة والمجتمع حريصين على السلم الاجتماعي –وذلك أمر بديهي- فإن الذي ينبغي أن يترتب على ذلك هو حماية هذا السلم الاجتماعي وصونه من أي خلل أو اضطراب).
لهذه المقاربة عدة مشكلات تشابه مشكلات المطالبة بقانون دولي لتجريم ازدراء الأديان، ومنها:
1- أنها تجعل من علاقة المؤمن بمقدساته التي يؤمن بها علاقة ملكيّة احتكارية، بحيث أن المؤمن بـ(البقرة) –في بيئة هندوسية مثلاً- يحق له أن يُقاضي كل من يسيء إليها. فعلاقة المعتقِد بمعتقداته ليست علاقة عمودية بينه وبين ما يؤمن به، بل هي علاقة أفقيّة تفرض قوانينها على كل المحيطين به.
2- أنها خالية من أي تأصيل حقوقي لقانون يضبط ما يدخُل فيما يُعد إساءة وفيما لا يُعَد. فهي غير معنية بذلك بل معنية بالتأذي النفسي.
3- أنها تنطلق من موقف لا يساوي بين المؤمن والغير مؤمن في الحقوق، لأنه يفرض على (الغير مؤمن) احترام عقائد المؤمن بينما لا يفرض نفس الشيء على المؤمن.
4- أنها تجعل مركزيّة “جريمة انتهاك المقدس” هي: نفسية ومشاعر المؤمن. ولا يمكن ضبط وبناء قانون يعتمد على (العاطفة) و(المشاعر) و(الحالة النفسية). لأن المشاعر مسؤولية صاحبها وليست مسؤولية أحد غيره، وكون مشاعره جُرِحَت فهذا يعود لمشكلته هو في حساسيّة مشاعره وطفوليّتها وعدم نضجها.
5- يحصُل في ذات المجتمع المؤمن أن نقاش قضايا معيّنة قد يُثير (عنفاً نفسياً) عند البعض ولا يكون كذلك عند آخرين. فعندما يناقش السلفي صوفياً في قضية تحريم الاستغاثة بالأولياء، أو يخبره أن هذا الولي تنقُل عنه المرويات أنه كان حشاشاً، سيُثار الصوفي وسيرغب في الانتقام.
6- يُلاحظ هنا أن الأمثلة التي ضربها فهمي كلها في السياق الإسلامي فقط. فهو يؤصّل لهذا المفهوم ويضرب الأمثلة فقط فيما يُناسب البيئة الإسلامية، وما سيُعَد فيها إساءة للمسلمين، لكنه سيتورّط عند مطالبة المسلمين نفسهم بهذه القوانين تجاه الأديان الأخرى. فماذا لو شعر المسيحي بأن كلام المسلم عن بشرية عيسى ابن مريم (عنف وإساءة نفسية) ؟ وماذا لو رأى الهندوسي مسلماً يهين البقرة (الرمز المقدس) له؟ ..الخ الأمثلة المتعددة في فضاء حر.
7- الطريقة التي يوظّف بها فهمي مفهوم (حماية السلم الاجتماعي وصونه من أي خلل أو اضطراب) لا تختلف عن طريقة أي ديكتاتور يدّعي أن خطاباً معارضاً (يزعزع النسيج العام، يؤلّب الرأي العام، ..الخ). والواقع أن كل تغيير وتحوُّل وتطوُّر للمجتمع لا يحصل إلا بعد هزّة تصيبه. وهنا أتساءل: هل مطلب السلم الاجتماعي معنيٌّ بحماية أمن المجتمع أم بحماية مشاعر المجتمع ؟
8- حين يستخدم فهمي عبارات مثل: (حين تقول، فإنك تصيب، تلحق به. حين تصور، فإنك تجعل..). لاحظوا أنه يحمّل (القائل) و(المصوّر) ذنبَ (الإصابة) و(إلحاق الأذى) و(جعل المثل الأعلى للمؤمن قبيحا). بينما (القائل) و (المصوّر) عبّر عن ما يريده فقط، لم يفرضه على المؤمن ولا طلب من المؤمن أن يراه ولا تدخّل في معتقداته ليجعله يعتقد مثلما يعتقد.
أكمل كلامه فهمي جدعان بكلامٍ جميل عن وجوب ترشيد الإيمان الوجداني بالمقدسات بالإيمان المعرفي العقلاني، وأنه ليس يسيرا على العقل الوجداني الإسلامي أن يتمكن من استقبال الإساءات الاستفزازية المتعمدة في الفضاءات الغربية أو في فضاءات الإسلام نفسها. وأنه يستطيع أن يمتلك بالدربة ورباطة الجأش وحكمة العقل المعرفي (عادة) احتقار هذه الاستفزازات والإفلات من شباكها وأن يكون أكثر تحضرا وإنسانية وتقدما ويلجأ إلى التبيين والإيضاح.
المثير في رأي فهمي أنه يُقر أن جزءًا من المشكلة يتحمله المسلمون نفسهم وينبغي أن يعالجوه ، ومع ذلك يلجأ لتبرير كل ردة فعلهم بتحميل المسيئين نفسهم تهمة التعنيف النفسي وتهديد السلم الاجتماعي وتأصيله الفكري لهذا الموقف. ويُلاحظ أيضاً أن أكثر الأمثلة التي ذكرها فهمي كان (تعمُّد الاستفزاز والاستثارة) من المُسيء موجوداً فيها، بخلاف قضايا حصلت عليها احتجاجات ولم يكُن تعمُّد الاستفزاز والاستثارة حاضراً فيها (حيدر حيدر، ألبير صابر، حمزة كاشغري). كل هذا يجعلني أقول أن مقاربة فهمي هذه ليست موقفا جاداً منه بقدر ما هي ردة فعل دفاعية تجاه الاستفزازات. ويزيد من دلائل كونها كذلك حديثه عن أن الإساءة إلى المقدس قد تجعل بعض الأفراد الانفعاليين يتجهوا إلى إلحاق الضرر بمن أساء لمقدسهم، ولا يُظَن بفهمي أنه يبرّر شيئاً كهذا ويعتبر المسيء هو المذنب لا هؤلاء الأفراد.
هل ننفي الحق في الغضب؟
ربما يُفهَم من كلامي أني أدعو إلى عقلانية مُطلَقة وهدوء وضبط نفس بشكل يطلب من الإنسان أن يكون هيكلَ صنمٍ حتى أمام أعظم الإهانات للمقدسات؛ وأنني أعتبرُ “الغضب والانفعال والشعور بالاستفزاز” عاطفة غير مفهومة. وهنا حقيقة لا بد من الالتفات إليها: وهي أن مطالبة كهذه تسلبُ الإنسانَ جزءًا من إنسانيته وبشريّته. لا يُوجد أحد بريء من الإيمانيات (ومعلوم أن في جوهر تعريف الإيمان أنه تصديق وجداني يختلف عن الاستدلال العقلي)، لا يُوجد إنسان بريء كليّةً من الإيمان بمقدّسات خاصة به، من أن يطوي فؤاده على عقائد معرفيّة ومسلّمات لم يُدركها بشكل عقلاني صرف، رآها أم لم يراها، أنكر أنها موجودة وهو مؤمن بها أم اعترف بها، كان مؤمناً أو ملحداً، هناك مقدّسات يؤمن بها.
حقيقة أن كل إنسان لديه مقدّساته التي يحبها ويدافع عنها ويشعر بالغضب لو أسيء إليها شيء، والتبرير لكل هذا الغضب ولما سيترتّب عليه من رغبة في الإخراس، أو السجن، أو القتل والانتقام، أو التوجه العام لتقييد الحريات، شيء آخر. الموقف الرافض للإساءة شيء، ودعوى أن المسيء انتهك حرية التعبير شيء آخر. التعبير عن الشعور بالإساءة هو أيضاً جزء من حرية التعبير التي ينبغي أن تُحمى وتُصان، لكن الذي حصل وتكرّر -سواءً في الاحتجاجات الإسلامية أو حتى في الاحتجاجات المسيحية- أن الشعارات التي ترفعها الجماهير ليست شعارات إدانة للإساءة بقدر ما هي شعارات تُطالب حرية التعبير بالوقوف عند ما يثير مشاعرها. وهذا الذي لا ينسجم مع جوهر حرية التعبير أصلاً.
حتميّة وجود المستهزئين بالمقدّسات:
( اعطِني مجتمعاً شديد الإيمان .. أُعطيكَ مجتمعاً شديد الإلحاد ! ) – أدونيس.
مما قاله المفكر العربي محمد أركون في تعليقه على قضية رشدي: (لا أعرف مجتمعا قديما كان أو حديثا لا يجذّر حقيقة وجوده في مقدس منتشر بالضرورة ومتبدل وكثيف ولكنه فاعل دائماً). علّق عليه صادق العظم: (أريد أن أؤكد للدكتور أركون أنه أيضاً ما من مجتمع حضاري قديم أو حديث إلاَّ وعرف ما سوف أسمّيه هنا بـ”ظاهرة معارضة المقدس”، من المعارضة بمعناها الشعري والأدبي عموماً إلى المعارضة السياسية والثورية. ورواية رشدي تنتمي إلى هذا النوع من الأدب المعارض).
ظاهرة معارضة المقدس، كما يسميها العظم، واقع لا تنكره حتى الأدبيات التي تنص على أن (الاختلاف سنة الله في الكون) وغير ذلك. لا تنكر أن وجود آراء وأفكار تنتمي لـ”خارج السرب” أمر لا بد أن يحصل. لا أحد ينكر ذلك، ولكن يأتي الاختلاف في طريقة التعامل مع هذا الأمر وهل هو مشكلة أم لا وكيف تُعالَج وينبغي التعامل معها؟ ومن هنا تُكوّن المواقف: تسامُح أم تعصُّب، تقبُّل أم رفض.
الواقع أن الأمر كما يقول كانط (إن القوة الخارجية التي تحرم الإنسان من حرية توصيل أفكاره بشكل علني، تحرمه في الوقت نفسه من حرية التفكير) فلا فرق بين حرية الفكر وحرية التعبير. يعلق جيمس سكوت أستاذ العلوم السياسية ببريطانيا، في كتابه الجميل: المقاومة بالحيلة، على مقولة كانط هذه قائلاً: (إذا لم نشأ أن ننظر إلى عبارة “بشكل علني” الواردة هنا على أنها تعبر عن التعبير الاجتماعي عن الأفكار ضمن سياق معين، حتى ولو كان محصورا، سنجد أن مقولة كانط هنا تعبر عن حقيقة شديدة الأهمية تتعلق بمقاومة السيطرة. فالحال أن الخطاب المستتر يتطلب جمهورا -حتى لو كان هذا الجمهور، بالضرورة، يستبعد المسيطر الحاكم نفسه)
هناك موقف يتخذه بعض المثقفين، يمكن إجمال هذا الموقف بأنه يسلّم بحرية التفكير المطلقة، ويؤمن ويعترف بحتمية وجود أقلية الاختلاف والمعارضة للمقدس في المجتمع (الملحدين مثلاً). لكن لا يحق لها أن تعبّر عن رأيها وأفكارها لأنها ستضر المجتمع. ومشكلة هذا الموقف أنه يتجاهل الموقف الطبيعي للأفكار الذي سيجعلها طالما أنها موجودة في الذهن ستجري على اللسان. فإما أن يؤمن بحرية التفكير وحرية التعبير معا، وإما أن يقول أن القيود ينبغي أن تُوضَع على كلاهما. هناك إحراجان يتحاشى الوقوع فيها هذا النموذج من المثقفين؛ لأنها ربما تنقض الكثير من مبادئه الليبرالية، الإحراج الأول: أنه فعلاً يؤمن ببعض الحدود والقيود على حرية الفكر، يتحاشى الوقوع في هذا بدعوى أنه مؤمن بالحرية لكن “ليس بشكل مطلق، فهناك حدود”. الإحراج الثاني: أنه فعلاً يؤمن في حقهم في التفكير والتعبير، ويرفض القيود، لكنه يُراعي واقع أن تعبيرَهم عن نفسهم قد يجرّ عليهم مشكلة. وهنا سيضطر أن يقول عن خطأهم أنه خطأ سياسي/أخلاقي، لا خطأ مبدأي. أي أنه من حيث المبدأ يؤمن بحقهم في التعبير ويدافع عنهم، لكنهم أخطؤوا من حيث أن المجتمع غير جاهز لتقبل آراءهم. الشيء الذي يحرجه لأنه لو قاله بصراحة سيرفضه الكثير وربما يناله ما نالهم.
هل نوافق المستهزأين بالأديان ونشجّع هذا الفعل ؟
هل أدعو إلى أن يعبّر الجميع عن معتقداته الدينية على صفحاته الآن في تويتر ويكتب ما يريد أن يقوله ؟ هنا نقطة مهمة، فالحديث عن أن “حق حرية التعبير يشمل الكلام الغير محدود حتى في المقدسات” هو من حيث الحق ومن حيث مفهوم حرية التعبير وتحليل طبيعة القضايا التي تُثار على أنها انتهاك للمقدسات وتجاوز لحدود حرية التعبير، كلامي من هذه الناحية.
ومن ناحية أخرى، كون هذا “حق” لا يعني أنه متحقق في الواقع بالشكل المطلوب. وخاصة في المجتمعات العربية، وتزداد هذه “الخصوصية” في السعودية، ازدراء الأديان يعتبر انتحار اجتماعي في المقام الأول. صحيح أن مُصادمة المجتمع “ويشمل ذلك ذهاب المُصادِم للمجتمع ضحية” تُثير قانون “التحدي والاستجابة” وقد تنجح في صناعة واقع أكثر مرونةً. لكن هذا ليس دائماً ولا مضمون، واحتمال إنتاج واقع أكثر تشدُّداً نكوصاً وارتداداً قائم أيضاً بنفس المستوى. وفي جميع الأحوال، كان تعبير هذا الشخص عن رأيه سيخلق ردة فعل مستجيبة أو ردة فعل مضادة، سيذهب ضحية، ولن يُجدي دفاع المنظمات العالمية عن حقه في التعبير.
صحيح أن التأصيل النظري الليبرالي للحقوق يضع الأولوية لحماية حرية الفرد، وأن الأصل أن توسّع دائرة حرية الفرد إلى أقصى حد ممكن لا تعتدي فيه حريته على الآخرين، خاصة أن قوانين حرية التعبير هدفها الرئيسي حماية الآراء التي لا تقبلها الأغلبية، ليست هناك حاجة لحماية أصحابها لو كانت مقبولة ، قد تؤذي المشاعر لكن هذا لا يشرّع الحجر عليها.
لكن، والحديث هنا ليس عن التأصيل النظري للحق، بل عن السلوك والممارسة العملية، فإذا كان حق حرية التعبير ينتمي إلى دائرة أساسية متعلقة بحياة الفرد في المجتمع: (حقوق الفرد)، فالسلوك والممارسة فيما هي فعل اجتماعي تنتمي إلى دائرة أخرى متعلقة أيضاً بحياة الفرد في المجتمع ألا وهي (المسؤولية الاجتماعية/ الأخلاقية). لكن الحديث عن المسؤولية لا يمكن في سياق الحوادث التي لا يكون المتورط فيها متوقعاً لردة الفعل. فالذي سيكتُب كلاماً يستفز المجتمع في عقائدهم ويذهب ضحية لهذا الكلام، وكان هو المختار والعارف لأبعاد كلامه هذا، سيبدو موقفه هذا خالٍ من المسؤولية، وربما سأصفه بأنه غباء منه، ولكن لن أعدّه تجاوزاً للخطوط الحمراء لحرية التعبير، وسأعتبر فعله هذا محاولة فاشلة منه لنيل حقه، وسيكون الموقف الحقوقي وقتها مُنحاز لحماية حريته في التعبير، فضلاً عن حماية حقه في الحياة. صحيح أن هذا سيجعل الموقف مُحرجاً وصعباً على الحقوقي، لكن جوهر المنطق الحقوقي أصلاً حماية الأفراد لا مسايسة الجمهور.
كل ما قمت به هنا من تحليل هو بالدرجة الأولى لرؤية الأمور واتخاذ المواقف منها، فعندما تُثار قضية “ازدراء أديان” مثلاً، نبحث أولاً ظروف إثارتها، فهذا الأمر يحدُث طوال الوقت، وليس هو المهدد الحقيقي للدين، فما هي ظروف إثارة هذه “الإساءة” دون غيرها؟ ومن المهم كذلك البحث عما إذا كان الشخص المتورّط في هذه الإساءة، والذي غدا بين يوم وليلة محل اتهام الجماهير، هو متعمّد ومتقصّد لإثارة ردة الفعل هذه أم لا، وهل هو أُقحِم في هذه المعركة أم أنه اختارها. كل هذه أشياء لا بد من أخذها في الاعتبار قبل الإدلاء برأي أو بحكم على قضية من هذه القضايا.
والحل؟ .. مزيداً من التسامُح:
1- الاعتراف بالمشكلة:
فصلَت بين حادثة سلمان رشدي والفيلم المسيء 23 سنة، ورغم أن حادثة الفيلم المسيء كانت أقل في حدّتها على أن هذا التفاوُت في الدرجة لا يعني الشيء الكثير. الاعتراف بأن المشكلة هي في ردة الفعل الإسلامية وليست في وجود شخص كتب كلاما مسيء للإسلام. الاعتراف بأن الاستسلام العاطفي العفوي سيجرّ إلى المزيد من المشاكل والتعقيدات. فهم هذه الاحتجاجات وتفسيرها تفسيرا علميا وربطها بأسبابها المباشرة الناتجة من مشكلاتها الاجتماعية والسياسية بالأخص.
2- التنوير الديني:
هناك فكرة منتشرة عن أن ترشيد الوعي الجمعي –خاصّةً للمجتمعات العربية- لا يصلُح بغير الخطاب الديني الذي يخرُج من المساجد. ورغم أن هذهِ الفكرة من الممكن أن تُناقَش وتُسائَل عن جوهر هذا الإصلاح وهل هو شكلي أم حقيقي، على أنه لا مجالَ لإنكار أن نماذج التنوير الديني (ظاهرة الدعاة الجدد والشيوخ المنسجمين مع قيَم حداثية نحو: المعاصرة والانفتاح والتغيير) تلقى نجاحاً ورواجاً هائلاً. ومن هنا يُثمّن مثل موقف عدنان إبراهيم الذي أشار وقت تعليقه على قضية الفيلم المسيء إلى وسائل مُعالجة تُفسّر كل هذا الذي حصل بأسلوب لا يتماهى مع الجمهور ويخبره أن ما يقوم به صحيحا ومحمودا.
أيضاً هنا شيء مهم آخر يندرج تحت “التنوير الديني”، ذلك أن يُراجع الجمهور طوال الوقت في هذه المسلّمة “فلان أساء إلى الله”.. فهل هناك إساءة إلى الله فعلا؟ لا يبدو مفهوم الإساءة إلى الله إلا خرافة، فـ”الله” هو “الله”، وعي المسلم التقليدي يُدرِك أن الله مُتعالي على أن يُساء إليه من البشر. وكذلك “الرسول” و”الدين” نفسه. إذن فأين تكون الإساءة التي تستثير غضبه؟ كأي جماعة بشرية تحيا على نحو رمزي تُحيل وجودها إلى معنى سماوي غائب، وحيث أن المسلم “يحب نبيه أكثر من نفسه” ويتماهى في سائر حياته مع هذا الرمز الغائب، يشعر أن الكلمة التي يُقال أنها “مسّت النبي” تمسّه هو بصفته حاملاً لاسم “النبي”. والمشكلة هنا بالدرجة الأولى في وعي هذا المسلم الذي يُعامل رموزه الدينية بهذه البساطة والابتذال بحيث أن أي كلمة تُقال عنهما ستُعد تطاولا حقيقياً مباشراً عليهما كما لو أن “النبي” كان أمام عينه وأُوذِي في جسده. بلا شك أن في أعماق هذا الإيمان المخلخل شعورا بالتهديد يخبّئ تصورا قاصرا يزيف كل ذلك البناء الرمزي.
3- وضوح المثقّف:
النخبة التي تجد عندها الجماهير ما يعزّز موقفها ويبرر لها سلوكها، تتحمل جزء من المسؤولية. ووضوح المثقف في عرض رؤيته وتحليله لهذه القضايا سيطوّر مواقفا نقديّة منها أكثر جرأة. و أقل ما يمكن أن يفعله المثقف في هذه القضايا أن يحمي نفسه من الانخراط فيها أو في تبريرها أو في تأصيلها فكريا.
4- مزيدا من التسامح، قليلا من التعصب:
التسامح لا يعني على الإطلاق الاستغناء عن اليقين الشخصي الراسخ، التسامح يعني الاستغناء عن ترسيخ هذا اليقين لدى الآخرين بوسائل غير الإقناع.. يقول ياكوبوتشي في كتابه: اللاتسامح وأعداء الحوار. يفرض التسامح نفسه على واقع العقائد الدينية –كل العقائد الدينية- نتيجة للبؤس الذي تخلّفه أشكال الحروب الدينية والتعصُّبات والانقسامات والحروب الأهلية التي قد تنشأ باسم الدين. يُحمَد التسامُح ويُدعى إليه في وقت الرخاء كشعارا رنانا، ويصبح الحديث عنه ميوعة وذوبان في وقت الشدة. لا نقبل بهذا التسامُح إلا في حدود مقصورة جدا.
والتعصب؛ واجبنا أن نعارضه دائما، حتى عندما لا يكون ثمة إعتراض أخلاقي على أهدافه ذاتها، بل على وجه الخصوص عندما تتفق أهدافه مع أهدافنا الشخصية، إن أخطار التعصب وواجبنا نحو معارضته تحت كل الظروف، هما درسان من أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من التاريخ.. هكذا يقول كارل بوبر. والتعصُّب الذي ينشأ –في وقت حدوث هذه القضايا- مندفع لا يمكن أن توقفه ولا حتى الجبال، وليس من المبالغة أن نقول أن التعصُّب هو في رأس هرم المشكلات التي يواجهها المتدين وتجعله وقت القضايا المسيئة لدينه يتصرف على ذلك النحو العنيف. والتعصُّب الديني موجود بالدرجة الأولى في الفكر المكوّن لفهم ومعرفة الدين لا من الدين نفسه. ولا توجد حلولا سحرية للتعصب، ليس هناك إلا الوعي ومخاطبة الفكر.
ختاماً.. حرية التعبير كما أفهمها:
- الأصل في حرية التعبير أنها مُطلقة وأن الفرد يحق له أن يقول كل ما يريده بالطريقة التي يريدها في أي موضوع كان، وبما أن الحرية مسؤولية، لا تعتدي على حريات الآخرين. فالأصل في القيود التي تأتي لتحقيق الأمن المجتمعي الوضوح والدقة والتفصيل. هذا كله مبني على التأصيل الحقوقي السائد لحرية التعبير والمتبنى من قبل العديد من المنظّمات العالمية والمرتبط تطوره التاريخي بالنزعة الليبرالية في مفهوم القانون وحقوق الإنسان، وهذا المفهوم –وإن التزمت به هنا، فهو- ليس مفهوما متعالي عن الحالة البشرية ولا يقبل الجدال؛ فهناك بلا شك مساحة متّسعة لجدل فلسفي حوله وحول مسائل متصلة به مثل: مسألة العدالة، مفهوم الحرية، جدلية الفرد والمجتمع، ..الخ.
- المقدسات الدينية لا يمكن بحال من الأحوال تشريع اعتبارها كقيد على حرية التعبير. ومن أسباب ذلك: أن وجود المخترقين للمقدس ضروري فهم موجودين في كل وقت وفي كل زمن؛ ولا تُثار قضية انتهاك للمقدس إلا في ظل وجود آلاف مثيلاتها لكنّ قضية بعينها هي ما تُحرّك لأسباب سياسية أو اجتماعية؛ وليس في ميزان العدالة إطلاقاً أن يقع الذنب على البعض الذين سُيّسَت قضاياهم دون الآخرين.
- لا يصح الاستشهاد بالهولوكوست ولا بالقيود التي تُوضَع في دول الغرب على تقييد حرية التعبير. فهذه القيود (وهي ليست متحققة تطبيقاً بنفس الشكل الذي يصوّره أصحاب هذا الخطاب) ليست لنفس السبب الموجود في المقدسات الدينية، حماية مشاعر ورموز المؤمنين بها. إدخال (حماية مشاعر أصحاب المعتقدات) كمهمة من مهمات القانون لعبة لا يمكن سماعها إلا عند هؤلاء.
- كل هذا (نظرياً) ، والحديث عن “النظري” وتحليل الواقع ليس فضولا من الكلام فهو مهم لأن البناء النظري هو ما يبني موقف الباحث من القضايا.
- أما الواقع العربي والإسلامي، أو السعودي تحديداً، يفرض على من يتبنى فكراً مختلفاً عن السائد، أو ربما مجرد فكرا مختلفاً عن هوى رجال الدين المؤثّرين، إلحادياً كان أو لادينياً أو قرآنياً أو أيًّ ما يكون، يفرض عليهم كثيراً من الحذر في ممارسة حقّهم في التعبير عن أنفسهم، لألاّ يُصعّد أمرهم إعلامياً فجأة ويذهبوا ضحايا أفكارهم وربما يعودوا بالمجتمع بنتيجة أسوء، لكن لو حصل هذا فلا بد من التفرقة بين من كان متعمّداً وعارفاً بمآلات ما سيقوله وبين من كان حذراً هادئاً لا يُريد إثارة ضجة، فمن كان متعمّداً قد يُوصَف بالتهور وعدم المسؤولية، لكن لا يصح وصفه بانتهاك حرية التعبير، وسيعتبر هذا منه سعي -غبي- في نيل حقه. ومن كان حذراً هادئاً لا يُريد إثارة ضجة فهو ضحيّة تصعيد أكبر منه، وكلاهما مظلوم.
- فليكُن واضحاً أن الحديث عن حرية التعبير باعتبارها حق لضحايا ازدراء الأديان شيء المراد منه بناء المواقف النظرية فقط، أما خلق مثل هذا المفهوم للحرية في مجتمع مثل المجتمع السعودي فهذا شيء مختلف تماماً ويتطلّب تعاملا ذكيا مع الواقع. ولئن قال أحد الفلاسفة أنه ضربٌ من ضروب العبث المطالبة بحرية التعبير في بيئة لا تؤمن بحرية التفكير أصلاً، فإن هذا يجعل المطالبة ببيئة متنوّعة تستوعب المخالفين المشاركين في الوطن مطلب يحضُر بمراحل عدة قبل مطلب السقف اللامحدود لحرية التعبير.
- نحن لا نتلقى الدين، المعطى الإلهي السماوي، كما كان يتلقّاه الأنبياء. يمتزج بأهواءنا وتعصّباتنا وانحيازاتنا ومشاعرنا وعواطفنا وشكوانا من أحوالنا. والجريمة الحقيقية تجاه الدين هي أن نغلّفه بكل تعصباتنا وندعي أننا ننطق باسمه. الدين لا يحتاج لا إلى حمايته ولا إلى فرض نفسه إكراهاً، وحرية التعبير في الحقيقة لا تهدده لكنها تهدد سلطة رجال الدين.
- التحرر من هذه الحساسية، وعدم الرضا بالبقاء في أسر ردة الفعل، هو أولى خطوات المسلمين للوقوف في مواقف حضارية جديدة.
- الوعي بالدين كله يحتاج إلى تجديد وتطوير، يحتاج إلى مزيد من العقلنة والدرك الواعي له ولمقاصده. البنية الدينية الحالية متزعزعة وتبني ثباتها عند مهاجمة الآخر. تُستفز الهوية الدينية الهشة في وقت الأزمات بحيث يبدو التعصُّب والجنون في تناسب طردي مع حجم هشاشة الوعي الديني. كما أن الجميع يحذّر ويعرف مغبّة خلط السياسة بالدين، لأنه حيث تتماسّ الدين والسياسة يُشرّع العنف المقدس، كذلك ينبغي التحذير من خلط المشكلة الاجتماعي بالدين، فالمشكلة الاجتماعية حين ترتدي ثوب ديني تصبح أكثر قابلية لتوليد العُنف وقتل الآخر، وكله باسم الله وباسم الدين وباسم المقدس. توحُّد الإسلام السياسي بالإسلام نفسه خطر، وتوحُّد الإسلام الاجتماعي بالإسلام نفسه خطر أيضاً.